الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
27
أنوار الفقاهة في أحكام العترة الطاهرة ( كتاب النكاح )
النكاح الذي فيه شوب من العبادات المتلقّاة من الشارع ، والأصل تحريم الفرج إلى أن يثبت سبب الحلّ شرعاً » « 1 » . لا شكّ في أنّ العبادة هنا ، ليست بمعنى ما يشترط في صحّته قصد القربة ؛ لأنّه لميقل أحد باعتبار ذلك ، لامن الشيعة ، ولامن العامّة . كما أنّ العبادة بالمعنى الأعمّ - أي ما يشترط قصد القربة في ترتّب الثواب عليها - لا تختصّ بالنكاح ، بل تشمل جميع الواجبات والمستحبّات التوصّلية ، فأيّ معنى لهذا التعبير ؟ الظاهر أنّ المراد من هذا التعبير ، كونه من التوقيفيات التي تحتاج إلى بيان الشارع في كلّ مورد ، وتجري فيها أصالة الفساد عند الشكّ . توضيح ذلك : أنّ هناك عقوداً كثيرة في عرف العقلاء - مثل البيع ، والإجارة ، والشركة ، والمضاربة ، وشبهها - تعدّ من الأمور الإمضائية ، قد حكم الشارع بصحّتها ما عدا ما خرج بالدليل ، فقال : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ فإذا شكّ في اعتبار شيء فيها يحكم بالصحّة ، إلّاأن يخرج منها بتقييد ، أو تخصيص ، فأصالة الصحّة حاكمة فيها . وإن شئت قلت : إنّ الشارع المقدّس أخذ فيها بما عند العرف والعقلاء وأمضاها ؛ إلّا في موارد خاصّة ، فأضاف على شروطها وأركانها ، أو نقص منها ، ولذا يقال باعتبار سيرة العقلاء مع عدم الردع عنها . لكنّ النكاح والطلاق ليسا من هذا القبيل ؛ وإن كانا موجودين في عرف العقلاء قبل نزول الشريعة الإسلامية ، وذلك لأنّ الشارع المقدّس أضاف إليها أشياء كثيرة ، ونقص منها كذلك في الناكح والمنكوح وغيرهما ، فكأنّهما تبدلّت ماهيتهما عمّا كانتا عليه ، فصارا - كالعبادات - من الأمور التوقيفية التي لا يمكن الأخذ فيها بعرف العقلاء وسيرتهم بعنوان أنّ عدم الردع فيها كافٍ في إمضائها ، بل لابدّ من ثبوت شروطها وموانعها من الشرع ، ولا يجرى فيهما إلّاأصالة الفساد ، فهما من الأمور التوقيفية التي تحتاج دائماً إلى الدليل ، واللَّه العالم .
--> ( 1 ) . جواهر الكلام 29 : 133 .